الآمدي
158
الاحكام
أما الكتاب فكما في قول القائل : مالي صدقة ، فإن القياس لزوم التصدق بكل مال له ، وقد استحسن تخصيص ذلك بمال الزكاة كما في قوله تعالى * ( خذ من أموالهم صدقة ) * ( التوبة : 9 ) ولم يرد به سوى مال الزكاة . وأما السنة فكاستحسانهم أن لا قضاء على من أكل ناسيا في نهار رمضان ، والعدول عن حكم القياس إلى قوله ، عليه السلام ، لمن أكل ناسيا ( الله أطعمك وسقاك ) . وأما العادة فكالعدول عن موجب الإجارات في ترك تقدير الماء المستعمل في الحمام ، وتقدير السكنى فيها ، ومقدار الأجرة ، كما ذكرناه فيما تقدم ، للعادة في ترك المضايقة في ذلك . ومنهم من قال إنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه ، وحاصله يرجع إلى تخصيص العلة ، وقد عرف ما فيه . وقال الكرخي : الاستحسان هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه ، لوجه هو أقوى ، ويدخل فيه العدول عن حكم العموم إلى مقابله للدليل المخصص ، والعدول عن حكم الدليل المنسوخ إلى مقابله للدليل الناسخ ، وليس باستحسان عندهم . وقال أبو الحسين البصري : هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ ، لوجه هو أقوى منه ، وهو في حكم الطارئ على الأول ، وقصد بقوله ( غير شامل شمول الألفاظ ) الاحتراز عن العدول عن العموم إلى القياس ، لكونه لفظا شاملا ، وبقوله ( وهو في حكم الطارئ ) الاحتراز عن قولهم : تركنا الاستحسان بالقياس ، فإنه ليس استحسانا ، من حيث إن القياس الذي ترك له الاستحسان ليس في حكم الطارئ ، بل هو الأصل ، وذلك كما لو قرأ أية سجدة في آخر سورة ، فالاستحسان أن يسجد لها ، ولا يجتزئ بالركوع ، ومقتضى القياس أن يجتزئ بالركوع ، فإنهم قالوا بالعدول ها هنا عن الاستحسان إلى القياس . وهذا الحد وإن كان أقرب مما تقدم لكونه جامعا مانعا ، غير أن حاصله يرجع إلى تفسير الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابله بدليل طارئ